حج وعمرة - حج - ١٥ يوم

الخليف أوالقيس يوم استثنائي لنساء مكة

نساء مكة يتوافدن إلى الحرم المكي في ليلة عرفة. (حساب م.حسين الزهراني على تويتر)

تؤدي العادات والتقاليد دورًا مهمًا في تشكيل سلوك المجتمع الذي يتوارثها ويحرص على تكريسها، ويحثّ على التمسّك بها كعادة أصيلة تُمثّل جزءًا من المُكوّن الثقافي الذي لا يسقط  بالتقادم، أو يتبدّد بعوامل الحضارة، والتحوّلات العلمية والمعرفية.

ويُعتبر إحياء يوم "الخليف والقيس" من العادات التي ارتبطت بسكان منطقة مكة المكرمة في موسم الحج، ويحرص المجتمع المكّي على إحيائها لتبقى. وتعود هذه العادة لحقبة زمنية  بعيدة تمتدّ لعقود خمسة. يستعرض تطبيق "وي سلام" بعضًا من تفاصيلها من خلال السطور التالية: 

  • الليلة اليتيمة

يطلق على اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية، مسمّى" اليتيمة" بسبب  خلو أحياء مكة من السكان، وتحديدًا الرجال الذين يتّجه بعضهم لأداء مناسك الحج، والبعض الآخر لخدمة  الحجاج.  

  • يوم عرفة "الخليف"

النساء يقصدن الحرم في يوم الخليف. (حساب ذو الفقار الشهاب على تويتر)

في هذا اليوم، تصوم النساء وتتّجه بمعية الأطفال إلى المسجد الحرام. فتكون غالبية زوّار المسجد من النساء اللواتي يمارسن العبادات في أجواء روحانية حتى يحين موعد الإفطار، فيعدن إلى منازلهن للاحتفال. والمقصود  بـ"الخليف" الذي لم يتيسر له الحج أو المساهمة في خدمة الحجاج. وكان من المتعارف عليه أن من يتخلّف بالعادة هم الرجال من كبار السن والمرضى . 

  • القيس:

بحسب الروايات، يُقال أن بعض النساء، وعلى مدى ثلاثة أيام، بدءًا من يوم التروية إلى يوم العيد، يمارسن مظهرًا احتفاليًا يتمثّل في التنكّر بزيّ الرجال، ولعب أدوار مختلفة لشخصيات اعتبارية لحفظ الأمن، وكان (بعضهن) يخرجن في منتصف الليل، متنكرات (مع حشمة كاملة) بـالثوب والعمامة أي بملابس أزواجهن، أو إخوانهن، أو أبنائهن.

وبحسب المؤرخين، كان يُصاحب الاحتفالية إيقاعات وأهازيج تنساب إلى المسامع داخل الأحياء باللهجة الحجازية الجميلة مطلعها :"يا قيسنا  يا قيس .. الناس حجّوا.. وأنت قاعد ليش؟.. الليلة نفرة.. قوم اذبحلك تيس.. قوم روح لبيتك.. قوم أخبز عيش....الخ"، في إشارة إلى الرجال المُتخلّفين عن الحج من دون مبرر، الأمر الذي يفرض عليهم عدم مغادرة منازلهم.

عابدية خوقير والحج

في بادرة  تهدف إلى مواصلة توثيق عادة الخليف أو القيس تاريخيًا، عمد الباحث في التاريخ المكّي ومعالم السيرة النبوية الدكتور سمير برقة إلى توثيق أحاديث مروية عن والدته السيدة عابديه خوقير التي شهدت تلك الفترة  لتروي بعضًا منها فتقول:

"إن الخُليف والقيس عادتان ارتبطتا بأهالي مكة المكرمة خصوصًا النساء، وذلك خلال موسم الحج، ولا تزال غالبية الأسر المكّية تحرص عليهما إلى يومنا هذا، ولكن بطريقة مختلفة تقتصر على الذهاب للحرم وترديد بعض الأناشيد الخاصة بهذه العادات".

وعادة الخليف أو القيس من العادات القديمة في مكة، فكانت النساء تقمن بمهام عدة أثناء موسم الحج، فهن من كنّ يحرسن البيوت في ظل غياب الرجال الذين يذهبون إلى المشاعر المقدسة خوفاً عليها من السرقة، وكن يعملن على تقديم الماء والغذاء ومساعدة العاجزين وكبار السن داخل البيوت. 

نساء مكة يحتفلن في يوم الخليف. (okaz.com)

  • أبرز مهام النساء

أبرز المهام المُوكلة إلى نساء مكة المكرمة في ذلك الوقت، وخصوصاً في يوم عرفة، هو مراقبة المُتخلّفين من رجال مكة المكرمة عن الحج. وتعود تسمية يوم عرفة تحديداً باسم "الخليف" نسبة إلى مَن يتخلّف عن الحج وخدمة الحجاج. أما كلمة "القيس" فأُخذت من عبارات كانت تُردّدها سيدات مكة في حال وجدن أحد الرجال المُتخلّفين عن الذهاب للحج، وتبدأ هكذا: "يا قيسنا يا قيس، الناس حجّت، وإنت هنا قاعد ليش.....". 

وغالبية المُتخلّفين عن الذهاب إلى الحج أو خدمة الحجاج، في ذلك الوقت، هم من كبار السن أو المرضى، وهذا يجعل من ليلة عرفة ليلة استثنائية في حياة نساء مكة المكرمة فيذهبن إلى الحرم للطواف، والإفطار ولا يخرجن من الحرم إلا  في العشاء .

  • مظاهر الحج

نساء مكة تكفن في الحرم المكي يوم عرفة.(almowaten.net)

ومن مظاهر الحج، تُجهّز النساء حلوى المعمول والغريبة، وأيضًا المُكسّرات التي تُسمّى النُقُل، سواء بإرسالها مع أزواجهن المُطوّفين أو الاحتفاظ بها في البيت كتموين، كما يتمّ تقديمه للضيوف طوال فترة الحج ويوم عيد الأضحى.

من خلال الإضاءة على هذه العادة، لا ينحصر هدف "وي سلام" في التعريف بهذه العادة والأسباب التي نشأت على ضوئها، وإنما يمتدّ للكشف على دور النساء في تلك الحقبة الآفلة. حيث تحوّلت هذه العادة من مهام فرضتها طبيعة الحياة في الماضي، إلى عادة تُمارس في الحاضر. وعنصر التميّز فيها هم النساء اللواتي كن يحملن على عاتقهن مسؤولية حراسة البيوت أثناء غياب الرجال في الحج، وبحوزتهن سلاح وحيد يتمثّل في عصا غليظة تُسمّى "الشوبة" لمواجهة  أي خطر قد يُواجههن.

كتابة: أميرة المولد

12
0
hide 10 related_articles